المستحمرون بعقلية الأغبياء ومشاعر الجبناء


 ْ بسم الله الرحمن الرحيم

   ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾

        سورة الإسراء — الآية ٣٦

    المستحمرون بعقلية الأغبياء ومشاعر الجبناء

بقلم: بُنى بنت محمد الدوسري

سأصف هذه الفئة بدقة ووضوح، بعيدًا عن المجاملات أو محاولة حجب الحقيقة؛ فهناك أشخاص اختاروا بإرادتهم تعطيل عقولهم، والامتناع عن التفكير والبحث والتبصر للوصول إلى الحقيقة.

إنهم ليسوا بالضرورة جهلاء، بل قد يتعمدون تجاهل المعلومات والمعارف والحقائق، رغم قدرتهم على البحث والتعلّم والتحليل. فالله سبحانه وتعالى وهب الإنسان عقلًا يستطيع به التفكير والتدبر والتمييز بين الحق والباطل، لكن بعض الأشخاص يأبون استخدام هذه النعمة الإلهية في مسارات الخير، وبدلًا من ذلك، يسلّمون عقولهم للآخرين، وكأنهم يضعونها على طبق من ذهب بين أيدي جماعات متطرفة ذات أهداف خفية ومصالح مشبوهة.

وهكذا يصبح هؤلاء أسرى لما يُملى عليهم؛ يصدّقون كل ما يُقال لهم، وتُحرّك عقولهم ومشاعرهم كما تُحرّك الأدوات لتنفيذ مخططات الآخرين وأفكارهم، دون تردد أو مراجعة أو محاولة للفهم.

إنهم أشبه بالإمّعه؛ لا يملكون موقفًا مستقلًا، ويسهل تجريدهم من القدرة على التبصر والبحث عن الحقيقة. فهم يبحثون عن من يفكر نيابة عنهم، بدلًا من أن يبحثوا بأنفسهم عن المعرفة والحقيقة.


ولا يجادلون أو يناقشون أو يحلّلون المواقف تحليلًا موضوعيًا، ولا يتوقفون عند الأفكار والمعاني ليمحصوها، بل يقدّسون الأشخاص الذين يطرحونها، وينساقون خلف أفكارهم ومعتقداتهم دون وعي أو إدراك.


وهكذا يصبح الباطل حقًا في نظرهم، والحق باطلًا؛ لأنهم سلّموا عقولهم لغيرهم، وأصبحوا سريعي الانقياد والتأثر، يسهل توجيههم والسيطرة على مواقفهم.


ولعل أكثر ما يخشاه هؤلاء هو الدخول في نقاش جاد أو حوار عقلاني مع أشخاص يمتلكون القدرة على التحليل والاستدلال؛ لأن الحوار القائم على الأدلة قد يكشف مواطن الخلل في أفكارهم، ويضعهم أمام حقائق يعجزون عن مواجهتها أو تقبّلها.


فالمستحمرون لا يولدون كذلك، وإنما قد يصبحون كذلك بفعل الاختيارات والتأثيرات المحيطة بهم. لقد وهبهم الله ـ كسائر البشر ـ العقل والكرامة والفطرة السليمة، لكن أصحاب المصالح قد يستغلون عواطفهم، ويغرقونهم في الشعارات الزائفة، حتى تتراجع لديهم قدرة التفكير المنطقي والتمييز بين الحقيقة والوهم.


إنهم يخشون التفكير المستقل وخوض الحوارات الجادة؛ لأن مواجهة الأدلة قد تكشف التناقضات في الأفكار التي يتبنونها، وتضع أهدافهم ومعتقداتهم موضع تساؤل. وهكذا تتحول الأكاذيب، مع التكرار والتلقين، إلى حقائق راسخة في أذهانهم، رغم افتقارها إلى الدليل والمنطق.


وفي كثير من الحالات، تكمن المشكلة في غياب الوعي والثقافة النقدية، وضعف القدرة على التمييز بين الخطاب الصادق والشعارات المضللة. وهي مشكلة لا ينبغي التعامل معها بالاستهانة بالعقول، بل بمواجهة التضليل بالمعرفة، والتطرف بالفكر الواعي، والخطاب المنغلق بالحوار المسؤول.


حين تكشف الأفعال حقيقة الشعارات


والدليل الذي أضعه أمام هذه الفئة ليس مجرد كلمات تُقال، بل أفعال ومواقف تستحق التوقف عندها ومراجعتها بعقل واعٍ ومسؤول.


إن نشر الأفكار التحريضية والسموم الفكرية بين الشباب والفتيات، والتأثير في الأسر والمجتمعات داخل الأوطان وخارجها، من خلال خطاب يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، يمثل خطرًا على استقرار المجتمعات وتماسكها.


وتزداد خطورة الأمر عندما يتخذ العنف أو استهداف المقدسات أو الاعتداء على المدنيين والمقيمين سبيلًا لتحقيق أهداف سياسية أو فكرية؛ فمثل هذه الأفعال، إذا ثبتت مسؤولية مرتكبيها عنها، لا يمكن تبريرها بالشعارات أو المعتقدات أو الخلافات.


ومن هنا، فإن استهداف بيوت الله المقدسة أو المعتمرين في بيت الله الحرام، وكذلك الاعتداء على المواطنين والمقيمين، أفعال بالغة الخطورة، تستوجب الإدانة والمحاسبة وفقًا للأدلة والقانون.


كما أن الاعتداء على المواطنين والمقيمين لا يستثني من آثاره أبناء المجتمع نفسه وأسر مرتكبيه؛ فالعنف لا يعرف حدودًا آمنة، ولا يميّز دائمًا بين من يستهدفهم مرتكبوه ومن تجمعهم بهم روابط الوطن والأسرة والمجتمع.


ـ *السعودية واليمن.. روابط تتجاوز الحدود الجغرافية* 


إن العلاقة بين المملكة العربية السعودية واليمن أعمق وأكبر من أن تُختزل في خلاف سياسي أو مسافة جغرافية تفصل بين بلدين.


فبين الشعبين روابط راسخة من الدين واللغة والنسب والأعراف والتقاليد، فضلًا عن امتداد تاريخي واجتماعي يعكس عمق العلاقة بينهما. وهي روابط تتجاوز الخرائط والحدود، وتستند إلى تاريخ طويل من التداخل والتواصل والمصالح المشتركة.


ولذلك، فإن الحفاظ على هذه العلاقة مسؤولية تتطلب الوعي بحجم الروابط القائمة بين الشعبين، وعدم السماح للأفكار المتطرفة أو المصالح الضيقة بأن تتحول إلى أدوات للعداء والقطيعة.


كما أن احتضان المملكة العربية السعودية لليمنيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بحثًا عن الأمن والأمان والإيمان والاستقرار، في ظل الظروف التي مرّت بها بلادهم، يمثل جانبًا من جوانب العلاقة الإنسانية والأخوية بين الشعبين، وهي علاقة لا ينبغي اختزالها في المواقف السياسية العابرة.


لقد قدّمت المملكة، قيادةً وشعبًا، أشكالًا متعددة من الدعم والمساندة لليمن، وهو ما يجعل الحديث عن هذه العلاقة حديثًا عن تاريخ من الروابط والمواقف التي ينبغي تقييمها بموضوعية، بعيدًا عن التحريض والتشويه.


ـ *المساعدات السعودية لليمن.. دعم إنساني وتنموي واقتصادي* 


تتعدد مجالات الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية للجمهورية اليمنية، لتشمل المساعدات الإنسانية والإغاثية، والدعم الاقتصادي والمالي، والمشروعات التنموية وإعادة الإعمار.


وبحسب الأرقام الواردة في المادة الأصلية، تجاوز إجمالي المساعدات الإنسانية والتنموية والاقتصادية السعودية المقدمة لليمن 29 مليار دولار أمريكي.


وتشمل مجالات الدعم الرئيسية ما يلي:


أولًا: الدعم الاقتصادي والمالي


تتضمن المساعدات الاقتصادية تقديم الودائع والحزم المالية لدعم البنك المركزي اليمني وميزانية الحكومة اليمنية، بما يسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي.


ومن الأمثلة الواردة في النص الأصلي حزمة دعم اقتصادي بقيمة 500 مليون دولار في ديسمبر 2024، تضمنت وديعة بقيمة 300 مليون دولار.


كما يشمل الدعم قطاع الطاقة، من خلال تقديم المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، ومن الأمثلة المذكورة منحة للمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار في مايو 2026،


ثانيًا: المساعدات الإنسانية والإغاثية


يضطلع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بدور في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية لليمن، عبر برامج تستهدف تخفيف معاناة السكان وتحسين ظروفهم المعيشية.


وتشمل هذه الجهود عددًا من المجالات، من أبرزها:


- الأمن الغذائي والزراعة: توزيع السلال الغذائية، ودعم الأنشطة الزراعية والمائية.

- الصحة والإصحاح البيئي: دعم المستشفيات والمرافق الصحية، وتوفير الأدوية، والمساهمة في مكافحة الأوبئة، وتنفيذ برامج المياه والإصحاح البيئي.

- إيواء النازحين: توفير المواد الإيوائية والمساعدات اللازمة للتخفيف من معاناة النازحين داخليًا.

- نزع الألغام: من خلال مشروع «مسام»، الذي يستهدف إزالة الألغام التي تهدد حياة المدنيين في الأراضي اليمنية، وقد أسهم المشروع في نزع أعداد كبيرة منها.


وتعكس هذه المجالات تنوع الاحتياجات الإنسانية في اليمن، وأهمية استمرار الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم.


ثالثًا: المشروعات التنموية وإعادة الإعمار


يعمل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن على تنفيذ مشروعات ومبادرات تنموية في قطاعات متعددة، تستهدف دعم الخدمات الأساسية وتعزيز البنية التحتية.

وتشمل هذه القطاعات:

- التعليم وتطوير البنية التحتية للمدارس.

- الصحة ودعم المرافق الطبية.

- الطرق والمطارات والموانئ والمباني الحكومية.

- دعم بعض النفقات التشغيلية والبرامج المرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية.

كما يورد النص الأصلي حزمة مشروعات تنموية أُعلن عنها في يناير 2026، بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، شملت 28 مشروعًا ومبادرة في عدد من المحافظات اليمنية. ويجب التحقق من تفاصيل هذه الحزمة عبر إعلان رسمي قبل النشر.

إن عرض هذه المساعدات لا ينبغي أن يكون مجرد استعراض للأرقام، بل فرصة للتأكيد على أهمية العمل الإنساني والتنموي، ودعم الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعوب، وتعزيز الروابط بين المجتمعات.

فالعلاقات بين الدول والشعوب لا تُقاس بالشعارات وحدها، وإنما تُقرأ أيضًا من خلال المواقف العملية، والجهود المبذولة، والنتائج التي تنعكس على حياة الإنسان وأمنه وكرامته.

ماذا نعني بالمستحمرين؟

يُستخدم تعبير «المستحمرون» في هذا المقال لوصف الأشخاص الذين يسمحون للآخرين بالاستخفاف بعقولهم، أو توجيههم واستغلالهم، من خلال تعطيل التفكير المستقل والتسليم بالأفكار دون تمحيص.

والمقصود هنا ليس الانتقاص من قيمة الإنسان أو قدراته الفطرية، وإنما نقد السلوك الذي يجعل الفرد تابعًا لغيره، يصدّق ما يُملى عليه دون بحث أو تحقق، ويمنح الآخرين سلطة توجيه أفكاره ومواقفه دون مراجعة.

ووفقًا للتمييز اللغوي الوارد في المادة الأصلية، يُراد بلفظ «المُستَحْمِرون» الأشخاص الذين يستخفّ آخرون بعقولهم ويستغلونهم، بينما يُراد بلفظ «المُستَحْمَرون» الأشخاص الذين وقع عليهم هذا الاستحمار وأصبحوا منقادين لغيرهم.

ويظل التحقق من ضبط المصطلح ودلالته المعجمية، ونسبة التعريفين إلى المعاجم المذكورة في النص الأصلي، أمرًا ضروريًا قبل تقديمهما بوصفهما تعريفين لغويين موثقين

الكلمة الأخيرة

إن أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان ليس نقص المعلومات وحده، بل أن يفقد رغبته في البحث عنها، وأن يتخلى بإرادته عن حقه في التفكير والتحليل والاختيار.

فالعقل نعمة ومسؤولية، والوعي حصانة من التضليل، والحوار وسيلة لكشف الأخطاء وتصحيح المفاهيم، وليس تهديدًا لمن يمتلك الثقة في أفكاره.

ولا يمكن بناء مجتمعات مستقرة على التعصب أو الانقياد الأعمى أو تقديس الأشخاص، بل على المعرفة، واحترام الإنسان، والاحتكام إلى الأدلة، والتمييز بين الحقائق والادعاءات.

ومن هنا، فإن مواجهة التطرف والتضليل لا تبدأ بالشتائم أو تبادل الاتهامات، وإنما تبدأ بإعمال العقل، وتعزيز الوعي، ومحاسبة المسؤولين عن الأفعال المخالفة للقانون، ورفض الاعتداء على الإنسان والمقدسات، أيًّا كانت الجهة التي تقف وراءه.

فالحقيقة لا تخشى البحث، والفكرة القوية لا تخشى الحوار، والإنسان الواعي لا يمنح عقله لغيره، بل يستخدمه ليعرف، ويميّز، ويختار عن قناعة ومسؤولية.

في ختام مقالتي أدعو الله أن يحفظ بلاد المسلمين من الفتن والحروب، وألّف بين قلوبهم، واحقن دماءهم، واحفظ مقدساتهم، وانصر المظلومين، واهدِ الضالين، واجعل أوطاننا آمنةً مطمئنةً، وسائر بلاد المسلمين. آمين يا رب العالمين.

الكاتبة بنى بنت محمد الدوسري

مدير عام أكاديمية بنا للتدريب والاستشارات

المستحمرون بعقلية الأغبياء ومشاعر الجبناء     المستحمرون بعقلية الأغبياء ومشاعر الجبناء بواسطة Mariam emaed في أكتوبر 23, 2026 تقييم: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.